العلامة المجلسي

143

بحار الأنوار

مجئ " من " للبدلية ، فقالوا : التقدير أرضيتم بالحياة الدنيا بدلا من الآخرة ، فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف ، وكذا الأخيران ، وإن كان هذا أيضا يجري ههنا لكنه خلاف الظاهر . والظاهر أن حملها على التبعيض أقرب من الجميع ، مع موافقته للأخبار الصحيحة ، ولذا اختاره صاحب الكشاف الذي هو المقتدى في العربية وخالف الحنفية القائلين بعدم اشتراط العلوق ، مع توغله في متابعة أقوالهم وتهالكه في نصرة مذاهبهم ، قال في الكشاف : فان قلت : قولهم إنها لابتداء الغاية ، قول متعسف ، فلا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب ، إلا معنى التبعيض ؟ قلت : هو كما تقول ، والاذعان للحق أحق من المراء . وقد يقال : عدم فهم العرب من هذه الأمثلة إلا ما ذكره ، قد يكون للغرض المعروف عندهم من التدهين والتنظيف ، ونحو ذلك ، مع إمكان المنع عند الاطلاق في قوله من التراب ، على أنه يمكن أن يقال : إنها في الأمثلة كلها للابتداء ، كما هو الأصل فيها ، وأما التبعيض فإنما جاء من لزوم تعلق شئ من الدهن والماء باليد ، فيقع المسح به ، ونحوه التراب إن فهم ، فلا يلزم مثله في الصعيد الأعم من التراب والصخر . قيل : والانصاف أنها إن استعملت فيما يصلح للعلوق ، وإن كان باعتبار غالب أفراده ، كان المتبادر منها التبعيض ، وإن استعملت فيما لا يصلح لذلك كان المفهوم منها الابتدائية ، وعدم صلاحية المقام لغيرها قرينة عليها . وما يقال من أن حملها على التبعيض غير مستقيم ، لان الصعيد يتناول الحجر كما صرح به أئمة اللغة والتفسير ، وحملها على الابتداء تعسف ، وليس ببعيد حملها على السببية ، وقد جعل التعليل من معاني " من " صاحب مغني اللبيب وعلى تقدير أن لا يكون حقيقة فلا أقل من أن يكون مجازا ، ولابد من ارتكاب المجاز هنا ، إما في الصعيد أو في " من " ولا ريب أن التوسع في حروف